ابن هشام الأنصاري
202
شرح قطر الندى وبل الصدى
فعطف « موجعات » بالنصب على محل قوله : « ما البكى » الذي علّق عن العمل فيه قوله « أدري » « 1 » . * * *
--> - ذقت الأمور المؤلمة ؛ لأنني كنت مرتاح الخاطر هنيّ البال ، وقد بقيت على حالة مرضية إلى أن استولت عزة على قلبي وامتلكت مشاعري فسلبت هناءتي . الإعراب : « ما » نافية « كنت » كان : فعل ماض ناقص ، وتاء المتكلم اسمه مبني على الضم في محل رفع « أدري » فعل مضارع : وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا ، والجملة من أدري وفاعله في محل نصب خبر كان « قبل » ظرف زمان منصوب على الظرفية الزمانية ، وهو متعلق بأدري ، وقبل مضاف و « عزة » مضاف إليه ، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والتأنيث « ما » اسم استفهام مبتدأ ، مبني على السكون في محل رفع « البكى » خبر المبتدأ ، مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر ، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب بأدري سدت مسد مفعوليها « ولا » الواو حرف عطف ، لا : زائدة لتأكيد النفي « موجعات » معطوف على محل جملة « ما البكى » والمعطوف على المنصوب منصوب ، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم ، وموجعات مضاف و « القلب » مضاف إليه ، مجرور بالكسرة الظاهرة « حتى » حرف غاية وجر « تولت » تولى : فعل ماض ، والتاء حرف دال على التأنيث ، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى عزة ، وقبل « تولت » أن مصدرية محذوفة تسبك بمصدر يقع مجرورا بحتى ، والجار والمجرور متعلق بالنفي الذي دل عليه « ما » في قوله « ما كنت أدري » . الشاهد فيه : قوله « أدري ما البكى ولا موجعات » فإن « أدري » فعل مضارع ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، وقوله « ما البكى » جملة من مبتدأ وخبر ، وكان حق هذا الفعل أن يعمل في لفظ المبتدأ والخبر النصب ، لكن لما كان المبتدأ اسم استفهام ، وكان اسم الاستفهام لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله ؛ لأن رتبته التصدر ؛ لهذه الأسباب لم يعمل الفعل في لفظ المبتدأ والخبر ، وعمل في محلهما النصب ، والدليل على أنه عمل في محلهما أنه لما عطف عليهما قوله « موجعات » جاء به منصوبا بالكسرة نيابة عن الفتحة كما هو إعراب جمع المؤنث السالم في حالة النصب ، ولولا أن المعطوف عليه منصوب المحل ما جاز له ذلك ؛ فأنت تعلم أن التابع - كالمعطوف عليه ، وكالمنعوت - ولا يجوز بحال من الأحوال أن يختلف إعراب التابع والمتبوع ، بحيث يكون التابع منصوبا والمتبوع مرفوعا ، مثلا ؛ فلما كان ذلك كذلك كان نصب التابع دليلا قاطعا على أن المتبوع منصوب ، ولما لم يكن المتبوع ههنا منصوبا في اللفظ علمنا أن له محلا منصوبا ، وهذا هو ما نريد إثباته بإنشاد هذا البيت في هذا الموضع ، فافهم ذلك وكن منه على ثبت ، واللّه ينفعك به ، وهو سبحانه وتعالى أعلى وأعلم . ( 1 ) ذكر أبو علي - وتبعه أبو حيان - أن من جملة المعلقات « لعل » نحو قوله تعالى : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ ونحو قوله سبحانه : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى وجزم بهذا ابن هشام في شذور الذهب ، وإنما كان « لعل » معلقا -